في عالم يتنازع فيه الخطاب السياسي والفكري، غدا الأدب والفن، ولا سيما السينما والتلفاز، أداة لتشكيل الوعي أو تزييفه، ومنصة للتنوير أو التضليل وجسرا لتمرير الأيديولوجيا في ثوب الترفيه.لكن لا وجود لـ “ترفيه بريء”، فكل عمل أدبي أو فني هو، بطريقة أو بأخرى حامل لرؤية أيديولوجية، فالحكايات التي تروى والرموز التي تستحضر والشخصيات التي ترسم، كلها عناصر مشبعة برؤى محددة للعالم ومواقف ضمنية من القضايا المختلفة، بحسب رؤية كاتبيها وصانعيها.وعليه، يصبح الأدب والفن جزءًا مهما ومركزيًا من صراع أشمل على الهيمنة الثقافية.ومن أبرز التيارات التي وعت مبكرا دور الأدب والفن في تشكيل الوعي الجمعي الحركة النسوية، التي أدركت أن الشاشة يمكن أن تجعل قضية المرأة حاضرة في كل بيت. وعندما تلتقي النسوية بالكاميرا، تنتج خطابا لا يستحي من طرح الأيديولوجيا، بل يفاخر بها، ويتحول إلى إعلان سياسي، وأداة احتجاج، وخريطة طريق للتغيير.
يتناول هذا الكتاب المشروع الأدبي والفني ” حكاية الجارية”، وهو حالة تجسد كيف يتحول الخيال الروائي إلى برنامج نقدي للواقع، وكيف تستغل المشاهد لتثبيت رؤية سياسية. ولعله المثال الأوضح على أن الأدب والفن لم يعودا يكتفيان بدور “الشاهد على العصر، بل تجاوزا ذلك ليكونا “شركاء في صناعته”.
فالسرديات التي تناولها عن الله، والدين، والجسد، والسلطة، والمقاومة، لم تجعله مجرد رواية أو مسلسل بل مشروعا ورمزا عالميًا للصراع بين الحرية والاستبداد، وبين الدين والسياسة، ومن هنا تنبع أهمية مساءلة أبعاده الفكرية والسياسية، التي لم تعد مجرد متعة بصرية، بل أصبحت جزءا من معركة الوعي والهيمنة الأيديولوجية، ودراسة الدور المزدوج للأدب والفن بوصفهما أداة للمقاومة وخطرًا أيديولوجيا نسويا في آن واحد.
النسوية الدموية دور الفن والأدب في تغيير الواقع – حسن قطامش
